الواقع الحالي
يمرّ لبنان اليوم بمرحلة شديدة الخطورة، في ظلّ العدوان الإسرائيلي المستمر وما يرافقه من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية متفاقمة. قد أسفر هذا العدوان عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، شملت استهداف المدنيين العزّل والبنى التحتية الحيوية، والتهجير القسري الواسع، واستخدام أسلحة محرّمة دوليًا كالفوسفور الأبيض. كما طاول القصف الإسرائيلي الأحياء السكنية والمساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات، إضافة إلى فرق الإسعاف والدفاع المدني والصحافيين، بالإضافة إلى تعمّد حرق وتسميم الأراضي الزراعية، وصولًا إلى تدمير قرى بأكملها.
وازداد الوضع تعقيدًا مع استهداف الجسور والطرقات الرئيسية، ما أدى إلى تقطيع أوصال المناطق اللبنانية وتهديد قدرة الناس على التنقّل والوصول إلى الخدمات الأساسية. يأتي ذلك كله في سياق أزمة اقتصادية خانقة ومتجذّرة، الأمر الذي أضعف بشكل كبير قدرة سكان لبنان على الصمود، واستنزف ما تبقّى من مواردهم المحدودة، وقيّد إمكانية تلبية احتياجاتهم الأساسية. وفي ظل ارتفاع الكلفة وتآكل سبل العيش، ومع محدودية التمويل المتاح للاستجابة الإنسانية، تتّسع الفجوات في تقديم الدعم، ما يضاعف من هشاشة المجتمعات المتضررة ويزيد الضغط عليها.
ورغم قسوة هذا الواقع، يبرز في المقابل مشهد لافت من التضامن المجتمعي الواسع، يتجلّى عبر مبادرات فردية وجماعية، وأشكال متنوّعة من التكافل المتبادل بين اللبنانيين واللبنانيات في مختلف المناطق. فبرغم التعب والدمار والانقسام السياسي، تتقدّم الاستجابة الإنسانية كمساحة جامعة، حيث تحضر قيم التضامن والوحدة الوطنية، وتتقدّم المبادئ الإنسانية على الاعتبارات السياسية والطائفية.
إلا أنّ هذه اللحظة المفصلية تحمل في طياتها مسارين متوازيين: تضامن شعبي حقيقي من جهة، ومخاطر متزايدة للتوتر والانقسام الاجتماعي من جهة أخرى. إذ يُسجَّل تصاعد مقلق في خطاب الكراهية والتحريض، تغذّيه أحيانًا ممارسات إعلامية وسياسية قائمة على الاستثمار في الخوف والفتنة وتبادل الاتهامات، ما يهدّد النسيج الاجتماعي ويخلق بيئة قابلة للاحتقان، ويتيح للعدوان استغلال الانقسام الداخلي وإشعال فتيل الفتنة الداخلية.
صــرخــة
- رفض الانزلاق نحو الحرب الأهلية: مع تصاعد التوتر، تتزايد المخاوف من عودة مظاهر الحرب الأهلية، بما يشمل تنامي التطرف الطائفي وظهور مجموعات متشددة. إلا أن المزاج الشعبي في لبنان يُظهر رفضًا قاطعًا لأي اقتتال داخلي، وقلقًا عميقًا من مواجهة داخلية أو تنامي الفكر المتطرف.
- لبنان وبس – مصلحة لبنان أولوية مطلقة: في ظل الانقسامات الحادة في الخطاب السياسي والإعلامي حول مسببات الحرب وكيفية التعامل معها، يتجلى بوضوح أن الخوف على كيان لبنان هو القاسم المشترك بين جميع اللبنانيين واللبنانيات. مصلحة لبنان تبقى الأولوية التي لا تعلو عليها أي اعتبارات سياسية أو طائفية أو مرتبطة بأجندات خارجية، ولبنان هو لكل مكوّناته بكل ما يشكّل شخصيته وتاريخه.
- وحدة اللبنانيين واللبنانيات هي مصدر قوة: رغم تصاعد الخلافات وحدّة النقاشات، يبرز مشهد إنساني جامع يعكس تضامن اللبنانيين واللبنانيات. قوة لبنان تكمن في تنوعه وتماسكه، وفي قدرته على تحويل شحّ الموارد إلى تعاون وتكافل يشكّلان أساس الصمود في هذه المرحلة الحسّاسة. وتؤكد المبادرات الفردية والجماعية المنتشرة على امتداد البلاد أن التنوّع، رغم الانقسامات، يبقى الضمانة الحقيقية لحماية لبنان. كما يبرز دور الدولة في احتضان مواطنيها ومواطناتها، بما يعزّز العلاقة بينهما. فلبنان يستمد قوته من تعدديته، ولا تصان هذه القوة إلا عبر مساحات مشتركة للحوار والتفاهم. إن حماية لبنان تكمن في التفاف الشعب حول دولته، حين يتكامل الاثنان، فالشعب هو الدولة والدولة هي الشعب أولًا وأخيرًا… ويقع على عاتق الإعلام والخطاب العام إبراز القواسم المشتركة ونماذج التضامن، بما يخفّف الاحتقان ويعزّز التماسك.
- كل لبنان مهم، وكل منطقة تعنينا: لبنان كيان كامل ومتكامل، غير قابل للتجزئة. فكل شبر من أرضه وموارده وتاريخه ونسيجه يعني كل لبناني وكل لبنانية، وأي ضربة على أي منطقة هي ضربة في صميم البلد، لا يجوز التعامل معها بانتقائية أو تفاوت في الاهتمام أو الاستجابة. إن السيادة على الموارد الطبيعية وأراضيه، إلى جانب تاريخه وذاكرته الجماعية، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من سيادته وحقوقه غير القابلة للتصرف. وعليه، فإن الحفاظ على هذه الموارد مسألة وطنية أساسية لا تقبل المساومة أو التجزئة.
- وقف التحريض والتصدي لخطاب الكراهية والتخوين: في ظل انتشار خطاب التحريض والكراهية عبر الإعلام ووسائل التواصل، يتأكد رفض الغالبية لأي انزلاق نحو صراع داخلي. الاختلاف السياسي لا يبرّر التخوين أو إقصاء الآخر، ويُعدّ خطاب التخوين تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي لما يخلقه من استقطاب وعداء اجتماعي. يبقى الحوار المسار الوحيد القادر على استيعاب التنوع.
- المسؤولية الفردية في صون الداخل: مع الانتشار الواسع للمحتوى المتداول والخطابات العامة، تتضاعف مسؤولية كل فرد فيما ينشره أو يعبّر عنه. فبين تأجيج المشاعر أو تهدئتها، وبين التخوين ونشر الفتن أو مدّ الجسور، يُساهم كلّ منا إمّا في تعميق التوتر أو في حماية السلم الأهلي وتعزيزه.
- نحن لبعض ومع بعض: أمام حجم المعاناة والدمار، تتجلى يوميًا قيم التضامن والتآخي والتكافل والمواطنة على كل الاصطفافات السياسية والطائفية. هذه القيم تشكّل ركيزة أساسية للصمود، حيث يبقى لبنان إرثًا يُصان بتنوّعه وبقدرة أبنائه وبناته على التلاقي رغم كل الانقسامات. وتبرز إعادة كرامة الإنسان واحتياجاته إلى صلب الخطاب.
