في 7 أيلول/سبتمبر 2026، نظّمت شبكة نساء فاعلات في بناء السلام في لبنان، التي تستضيفها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان، ومساحة من أجل التعاون في سوريا، التي يستضيفها مركز المجتمع المدني والديمقراطية، ندوة مشتركة عبر الإنترنت حول قضية المفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان وسوريا. وهدفت الندوة إلى فتح مساحة للحوار بين العائلات والمؤسسات الوطنية والدولية والمجتمع المدني، واستكشاف فرص التعاون بين البلدين، مع التركيز بشكل خاص على دور النساء وعائلات المفقودين في مسارات البحث عن الحقيقة والعدالة.
شارك في الندوة أكثر من 70 مشاركًا من لبنان وسوريا والمنطقة، من بينهم ممثلو وممثلات منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، والفاعلون والفاعلات في مجال بناء السلام، وعائلات المفقودين، والباحثون والباحثات، وشركاء التنمية. كما استضافت الندوة مجموعة من المتحدثين والمتحدثات رفيعي المستوى وممثلي العائلات والمؤسسات المعنية، من بينهم نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور طارق متري، ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا الدكتور محمد رضا جلخي، والسيدة كارلا كوينتانا، الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، والسيدة عبير أبو زكي حيدر، عضوة الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان، إلى جانب السيدة وداد حلواني، مؤسسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والناشطة النسوية السورية نور برهان، وهي من أفراد عائلات المفقودين. واستُهلت الندوة بكلمتين ترحيبيتين من ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان السيدة جيلان المسيري وممثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة في سوريا السيد آجاي ميداولي، فيما أدارت الحوار كل من منال حمدون عن شبكة نساء فاعلات في بناء السلام في لبنان، وسيما نصار عن مساحة من أجل التعاون في سوريا.
وضع الدكتور طارق متري قضية المفقودين ضمن الإطار الأوسع للعلاقات اللبنانية–السورية، مؤكدًا أن طبيعة الملف العابرة للحدود تتطلب عملاً مشتركًا بين البلدين يقوم على الثقة والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، بعيدًا عن المقايضة أو التوظيف السياسي للقضية. كما شدد على أن كشف مصير المفقودين هو حق إنساني وشرط أساسي لتحقيق العدالة ومعالجة إرث النزاعات، مؤكدًا أهمية العمل المشترك بين الهيئتين الوطنيتين في لبنان وسوريا بما يترجم التعاون السياسي والمؤسساتي إلى نتائج ملموسة للعائلات.
وكانت أصوات عائلات المفقودين محورًا أساسيًا في الحوار. فقد استعرضت الناشطة النسوية السورية نور برهان تجربتها الشخصية في البحث عن أفراد من عائلتها، مؤكدة أن النساء الباحثات عن المفقودين لا يمتلكن فقط تجارب شخصية، بل راكمن معرفة وخبرة عملية حول التوثيق، والوصول إلى المعلومات، وتعقيدات الإجراءات، والمخاطر التي تواجه العائلات من استغلال وابتزاز واحتيال. وشددت على ضرورة الانتقال من الاعتراف الرمزي بدور النساء إلى إشراكهن فعليًا في تصميم الإجراءات وتحديد الأولويات وصنع السياسات والقرارات، مع النظر كذلك إلى الآثار القانونية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد للاختفاء على العائلات.
ومن التجربة اللبنانية، استعرضت السيدة وداد حلواني المسار الطويل الذي قادته عائلات المفقودين، ولا سيما النساء، لتحويل معاناتهن الفردية إلى قضية وطنية عابرة للطوائف والمناطق، وبناء حركة مجتمعية وتحالفات مع المجتمع المدني والحقوقيين والأكاديميين، وصولًا إلى إقرار القانون رقم 105 لعام 2018 وإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا. وأبرزت أهمية التوثيق وحفظ الذاكرة الجماعية والاستمرار في متابعة تنفيذ القانون ودعم عمل الهيئة الوطنية، باعتبار أن إنشاء الآليات الرسمية لا ينهي دور العائلات بل يتطلب استمرار مشاركتها ومتابعتها لعمل المؤسسات المعنية.
وعلى المستوى المؤسساتي، استعرض الدكتور محمد رضا جلخي أولويات الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا ومبادئ عملها، وفي مقدمتها التشاركية مع العائلات والمجتمع المدني، وعدم التمييز، والعمل المهني والعلمي، وإدارة توقعات العائلات، والتكامل بين الجهات العاملة في الملف. كما عرض مسار العمل المتعلق ببناء الإطار المؤسسي والتشريعي، وإنشاء قاعدة وطنية للمفقودين، وبناء القدرات الوطنية في مجالات الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي والتعامل مع المقابر الجماعية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للعائلات.
ومن أبرز التطورات العملية التي أُعلن عنها خلال الحوار، إشارة الدكتور جلخي إلى عزم الهيئتين الوطنيتين المعنيتين بالمفقودين في سوريا ولبنان توقيع اتفاقية تعاون بينهما. واكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة في سياق الندوة، إذ يرتبط مباشرة بأحد أهدافها الرئيسية المتمثلة في تعزيز التعاون اللبناني–السوري حول قضية المفقودين، ويفتح المجال أمام تعاون مؤسساتي أكثر انتظامًا وتبادل للخبرات بين البلدين بما يخدم احتياجات العائلات.
وأكدت السيدة عبير أبو زكي حيدر، من موقعها كابنة مفقود وعضوة في الهيئة الوطنية اللبنانية، أن مشاركة العائلات والنساء داخل المؤسسات المعنية تسهم في بناء الثقة، ونقل المعرفة المتراكمة لدى العائلات إلى العمل المؤسسي، وتحديد الاحتياجات والعقبات التي تواجهها، وضمان بقاء عمل الهيئات قريبًا من أولويات أصحاب القضية. كما أشارت إلى الفرصة التي يتيحها التعاون اللبناني–السوري لتبادل الخبرات بين تجربة لبنان الطويلة في التنظيم والمناصرة والتشريع وبين التجربة السورية الناشئة وحجم وتعقيد ملف المفقودين فيها.
ومن منظور دولي، أكدت السيدة كارلا كوينتانا أن البحث عن المفقودين لا يمكن أن تقوم به مؤسسة واحدة، بل يتطلب جهدًا مشتركًا يجمع المؤسسات الوطنية والعائلات والمجتمع المدني والآليات الدولية. وأبرزت أهمية وجود إرادة وملكية وطنية للملف، وإتاحة المعلومات وتحليلها وتبادلها بما يساهم في توفير إجابات أسرع وأكثر دقة للعائلات، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات العلمية والفنية والتجارب الدولية. كما شددت على ضرورة أن تكون النساء جزءًا فعليًا من عمليات البحث، لا أن تقتصر مشاركتهن على الاستشارة، والاستفادة من الخبرة والمعرفة التي راكمنها على مدى سنوات من البحث والمناصرة على المستويين الوطني والدولي.
وأكد مجمل الحوار أن البحث عن المفقودين لا يمكن أن يكون مسارًا مؤسساتيًا منفصلًا عن العائلات، وأن النساء اللواتي حملن هذا الملف لعقود يجب أن يكنّ شريكات في تصميم وتنفيذ ومتابعة مسارات البحث عن الحقيقة والعدالة. ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ضوء الاعتراف الدولي المتزايد بدور النساء الباحثات عن المفقودين، بما في ذلك اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 19 كانون الأول/ديسمبر يومًا دوليًا للاعتراف بهن.
وأبرزت مداخلات المتحدثين والمتحدثات والنقاش مجموعة من الأولويات والمقترحات العملية، من بينها:
– مأسسة مشاركة العائلات والنساء في جميع مراحل معالجة ملف المفقودين، من تصميم السياسات والآليات وتحديد الأولويات إلى التنفيذ والمتابعة والتقييم وصنع القرار، وعدم حصر مشاركتهن في الاستشارات أو سرد التجارب الشخصية.
– تعزيز التعاون المباشر بين الهيئتين الوطنيتين في لبنان وسوريا، والاستفادة من اتفاقية التعاون المزمع توقيعها لتطوير آليات عمل وتبادل خبرات تخدم العائلات وتدعم معالجة الجوانب ذات البعد المشترك بين البلدين.
– تطوير آليات واضحة وآمنة لتبادل المعلومات والتنسيق بين المؤسسات الوطنية والآليات الدولية والمجتمع المدني والعائلات، بما يحد من ازدواجية الجهود ويسرّع الوصول إلى معلومات موثوقة حول مصير المفقودين.
– إنشاء قنوات واضحة وشفافة للعائلات للإبلاغ والمتابعة والحصول على المعلومات، بما يقلل اعتمادها على العلاقات الشخصية أو المصادر غير الرسمية ويحميها من الاستغلال والاحتيال ويعزز الثقة بالمؤسسات المعنية.
– ربط قضية المفقودين بمسارات العدالة الانتقالية والإصلاح القانوني وعدم التكرار، ومعالجة التداعيات القانونية للاختفاء على العائلات، بما في ذلك قضايا الأحوال الشخصية والوثائق والملكية والميراث والوصاية والوصول إلى الحقوق والخدمات.
– توفير دعم متكامل ومستدام لعائلات المفقودين يشمل الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال واللاجئين والنازحين والعائلات البعيدة عن مراكز الخدمات.
– تعزيز القدرات الفنية والوطنية في التوثيق والطب الشرعي وتحليل الحمض النووي وإدارة المقابر الجماعية وقواعد بيانات المفقودين، والاستفادة من الخبرات اللبنانية والسورية والدولية بما يدعم جهود البحث والوصول إلى إجابات للعائلات.
– حماية وتوثيق المعرفة والذاكرة التي راكمتها العائلات ومنظمات المجتمع المدني والاستفادة من أرشيفاتها وشهاداتها وخبراتها كمصدر أساسي للبحث عن الحقيقة، وحفظ الذاكرة الجماعية، ودعم جهود العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
